إذن لو أراد الله خلقاً مقهورين على الإيمان به ما استطاع أحد من خلقه أن يكفر به ، ولكن الحق أراد أن يثبت صفة القهر فيما دون الإنسان ، أما في الإنسان فقد خلقه الله مختاراً بين الكفر والإيمان حتى يأتي بعض من العباد ليصنعوا ما يحبه الله ويرضاه ويتبعوا منهج الله ، وهم يعلمون أن الله لم يكلفهم ما لا طاقة لهم به . فلا يكلف - سبحانه - أحداً بأن يموت أو يمرض ، ولا يكلف فاقد آلة الاختيار وهي العقل ، ولا يكلف من لم يبلغ رشد العقل ؛ لأن التكليف للإنسان لا يتم إلا بوجود ثلاثة شروط: الأول: أن يوجد العقل ، والثاني: أن يكون العقل في تمام النضج وهو الرشد ، والثالث: ألا تكون هناك قوة تهدد حياته وتقهره على فعل ما .
وهكذا نعلم أن هناك ثلاثة يخرجون من دائرة التكليف . وهم: المجنون وغير ناضج العقل لأنه لم يبلغ الرشد ، والمقهور بفعل فاعل . وقد أعطى الحق مع التكليف الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، وبذلك ليس لأحد عند الله حجة ، ومن دخل التكليف طائعاً فهو من عباد الله .
ومن عصى الله وخرج عن التكليف فهو من العبيد المقهورين في كل شيء فيما عدا التكاليف التي خيرّوا فيها .
إذن فالعبادة هم الذين دخلوا العبادية بأن وازنوا بين الإيمان ونقيضه الكفر . . أي بين المراد لله وغير المراد لله . فكيف إذن يقول عيسى ابن مريم على الرغم من علمه بكفرهم: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ؟ . ونقول: إن معنى"العباد"و"العبيد"الذي شرحناه سابقاً هو وضع الإنسان في الدنيا وما يكون عليه فيها ، ولكن الحوار الذي نقرؤه في القرآن بين عيسى عليه السلام والحق سبحانه وتعالى يكون في الآخرة ، وكلنا في الآخرة عباد طائعون .