الْمُصَدْرِ فَانْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْهُ إِلَى الْمَصْدَرِ وَمِنَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ تَكْرَارِ لَفْظِ الْمَصْدَرِ ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ وَأَدَلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ دُونَ التَّجَوُّزِ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا سَبَقَنِي إِلَى بَيَانِ هَذَا عَلَى كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ عِنْدَ مَنْ تَأَمَّلَهُ (وَمِنْ شِدَّةِ الظُّهُورِ الْخَفَاءُ) .
قُلْنَا: إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَدَأَ جَوَابَهُ بِتَنْزِيهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ ، فَأَثْبَتَ بِهَذَا إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ يَقِينِيٍّ ضَرُورِيٍّ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ أَنْ يُشَارَكَ فِي أُلُوهِيَّتِهِ ، وَانْتَقَلَ مِنْ هَذَا إِلَى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الْعَالِمَةِ بِالْحَقِّ عَنْ قَوْلِ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ ، فَقَالَ:
(مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِمَّا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مِنِّي أَنْ أَقُولَ قَوْلًا لَيْسَ لِي أَدْنَى حَقٍّ أَنْ أَقُولَهُ; لِأَنَّكَ أَيَّدْتَنِي بِالْعِصْمَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْبَاطِلِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَإِنْكَارِهِ إِنْكَارًا مُجَرَّدًا; لِأَنَّ نَفْيَ الشَّأْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْفِعْلِ نَفْيًا مُؤَيَّدًا بِالدَّلِيلِ ، فَهُوَ بِتَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى