قيل: إن قاتل النفس عمدًا - وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، وقاتل الصيد عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء عليه سواها؛ لذلك اختلفا. ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمدًا بالكتاب، والحكمُ في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حالٍ دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع.
ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ ولم تذكر في قتل العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمد فهي في الخطأ أوجب.
والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمدًا كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)
اختلف أهل العلم فيما يجب، من المثل:
فقال قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: بدنة، وفي الحمار الوحشي: بقرة، وأشباه ذلك.
وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعامًا، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يومًا.
وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دمًا: يتصدق به.