اختلف في الآية في تأويلها على وجهين:
أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء .
وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) لقتله، ناسيًا لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو الخطأ المكفر. وإن قتله متعمدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه - لم يحكم عليه.
وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمدا لصيده، ناسيًا لإحرامه، وقال: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) متعمدا للصيد، وذاكرًا لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه. أحسنوا الظن به.
وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم وينساه؛ لأن للإحرام أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد الكفارة، عمدًا قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل، ذاكرًا لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله عامدًا لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر.
فَإِنْ قِيلَ: إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمدًا؛ فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟!