وعن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟ واللَّه لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قائمًا على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ...) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فالخليطان حرام.
فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا غلا واشتد فصار مسكرًا - خمر.
واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما اللَّه - يقولان: ما كان من الأشربة نيئا متخذًا من النخلة والعنب فهو حرام: كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:"الخَمْرُ مِنْ هَاتَينِ الشَجَرَتَينِ: مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ"ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة. وأما ما اتخذ من غير النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئًا إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب.
وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخًا فهو حلال وإن قل طبخه، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.