قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عِنْدَكَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَمَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَامُ الَّذِي أَوْعَدَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَوْدِ بَعْدَ الْبَدْءِ، هُوَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي عَفَاهَا عَنْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ مِمَّا كَانَ لَهُ فِعْلُهُ بِهِ مَعَ الَّذِي أَذَاقَهُ مِنْ وَبَالِ أَمْرِهِ، فَيُذِيقُهُ فِي عَوْدِهِ بَعْدَ الْبَدْءِ وَبَالَ أَمْرِهِ الَّذِي أَذَاقَهُ الْمَرَّةَ الْأُولَى، وَيَتْرُكُ عَفْوَهُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ فِي الْبَدْءِ، فَيُؤَاخِذُهُ بِهِ؟ فَلَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّهُ مَنِيعٌ فِي سُلْطَانِهِ، لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ، وَلَا مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ مَانِعٌ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ، لَهُ الْعِزَّةُ وَالْمَنَعَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ذُو انْتِقَامٍ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: مُعَاقَبَتَهُ لِمَنْ عَصَاهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أُحِلَّ لَكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {صَيْدُ الْبَحْرِ} ، وَهُوَ مَا صِيدَ طَرِيًّا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «يَصْطَادُ الْمُحْرِمُ وَالْمُحِلُّ مِنَ الْبَحْرِ، وَيَأْكُلُ مِنْ صَيْدِهِ»
وَعَنَى بِالْبَحْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْأَنْهَارَ كُلَّهَا، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَنْهَارَ بِحَارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: أُحِلَّ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ طَرِيُّ سَمَكِ الْأَنْهَارِ الَّذِي صِدْتُمُوهُ فِي حَالِ حِلِّكُمْ وَحُرْمِكُمْ، وَمَا لَمْ تَصِيدُوهُ مِنْ طَعَامِهِ الَّذِي قَتَلَهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ إِلَى سَاحِلِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَطَعَامُهُ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: مَا قَذَفَ بِهِ إِلَى سَاحِلِهِ مَيِّتًا