فلم لم يكن المتعاطفون نسقا واحدا ، على أية صورة .. بالرفع مثلا ، هكذا:
« والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون باللّه واليوم الآخر؟
وقد كثرت فِي هذا آراء المفسرين والنحاة .. ولم نر فيما قاله هؤلاء وهؤلاء وجها نستريح له ، ونرضى به ، ونطمئن إليه .. إذ كلها محاولات لتسوية هذا التخالف ، الذي يبدو وكأنه تناقض وخروج على أساليب العرب ، ومألوف كلامهم .. وكأنهم - أي المفسرون والنحاة - يلتمسون المعاذير للقرآن ، لهذا الخلل الذي ظهر فيه هنا.!!
وللقرآن الكريم ، أن يكون متفقا مع قواعد النحاة أو مخالفا لها ، جاريا ما عرف من أساليب العرب أو خارجا عنها .. وعلى النحاة أن يصححوا نحوهم عليه ، وعلى الأساليب العربية أن تستقيم على ما طلع عليه بها القرآن من أساليب جديدة ، وأن تجعلها من مذخورها الذي تحرص عليه ، وتثرى باقتنائه ، وتعتزّبه.
فلنتحرر إذن من قواعد النحو ، وأساليب العرب ، حينما نستقبل جديدا من أساليب القرآن وإعجازه ، ولنلقه بقلوبنا ، لقاءنا لمعجزة قاهرة متحدية ..
ونعم ، فإننا بين يدي كل آية من آيات الكتاب الكريم ، فِي مواجهة معجزة متحدية ، لا تكشف لنا عن وجهها إلا بعد توقف ونظر .. ولكنا حين نكون بين يدي آية تطلع علينا بأسلوب غير مألوف من أساليب العربية ، وغير جار على مقررات النحاة وقواعد النحو - فإننا نكون حينئذ فِي مواجهة آية تكشف لنا عن وجه من وجوه إعجازها ، وتدعونا إليها ، وتحملنا حملا على النظر فِي وجهها.
فهنا فِي هذه الآية .. دعوة صريحة ، وإشارة مضيئة ، إلى كلّ من يلتقى بهذه الآية الكريمة أن يقف عندها ، وأن يدبر النظر فيها ، وأن يسأل نفسه كل تلك الأسئلة التي سألها المفسرون والنحاة ، عند ما التقوا أو يلتقون بكلمة: « وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ » .
لماذا خالفت نسق ما قبلها؟
ولماذا تخالف نسق ما بعدها؟