وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صِحَّةً لَا تُدْفَعُ، وَصَحَّتْ تَرْجَمَتُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، لَكَانَ مَعْنَاهَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ، وَذِكْرَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ حَلَّ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، لَمَّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ الْمَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَجِمَاعُ الْأَمْرِ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْبَشَرِ إِلَهًا تَامًّا، إِلَهَ حَقٍّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إِلَّا بِمَا خُصَّ بِهِ أَخُوهُ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
وَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ مُوَافِقَةٌ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمِيعُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ مِنْ أَلْفَاظٍ وَكَلِمَاتٍ فِي الْكُتُبِ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وَكَلِمَةً وَرُوحَ الْحَقِّ وَإِلَهًا، وَكَذَلِكَ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، أَمَّا رُوحُ الْقُدُسِ فَهِيَ سِرُّ اللَّهِ وَأَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ.