وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، وَفِيمَا حَكَى خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي.
وَإِنْ قُلْتُمْ جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيَّا فِي نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يَا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأَنِّي آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ وَأَتَرَاءَى، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأُمَمُ الْكَثِيرَةُ، وَيَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا وَاحِدًا، وَيَحِلُّ هُوَ فِيهِمْ وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكَ، وَيَأْخُذُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُلْكَ مَنْ يَهُوَدَا وَيَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْأَبَدِ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ وَجَبَتْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِهَذَا فَتَجِبُ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْتُمْ مَعَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَعْلَنَ لَهُ وَتَرَاءَى لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حُلُولَ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَيْفَ تَحِلُّ ذَاتُهُ فِي مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرَارِ الْخَلْقِ؟ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ؟ أَفَتَرَى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَشَدِّ يَدَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَرَبْطِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَدَقِّ الْمَسَامِيرِ فِي يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ، وَوَضْعِ تَاجِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ؟ وَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا وَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ.