فسبحانه أخذ الميثاق من محمد صلى الله عليه وسلم وجمع معه سيدنا نوحاً وإبراهيم ، فهل هذا الجمع كان قائماً على الترتيب؟ لا ؛ لأن نوحاً متقدم جداً في الموكب الرسالي وسبق سيدنا رسول الله بسنوات طويلة ويفصل بينهما رسل كثيرون . إذن ف"الواو"لا تقتضي الترتيب في الجمع . ولماذا جاء الحق بأمر الوفاة مع أمر الرفع؟ جاء الحق بذلك ليشعر عيسى أن الوفاة أمر مقطوع به ، لكن الرفع مجرد عملية مرحلية .
أو جاء قوله الحق: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ؛ لأن الإنسان المخلوق لله مكون ومركب من مادة وفي داخلها الروح ، وعندما يريد الحق أن ينهي حياة إنسان ما ، فهو يقبضه بدون سبب وبدون نقض في البينة ، ويموت حتف أنفه ، أما إذا ما ضرب إنسان إنساناً ضربة عنيفة على رأسه فالمضروب أيضاً يموت ، لأن الروح لا تحل في جسم به عطب شديد .
إذن فالحق أوضح لعيسى: أنا آخذك إليّ وأرفعك متوفياً وليس بجسدك أَيُّ نقض لبنيتك أو هدم لها أو لبعضها ، بل آخذك كاملاً . ف"متوفيك"تعني الأخذ كاملاً دون نقض للبنية بالقتل .
ونحن - كما عرفنا من قبل - نفرق بين القتل والموت . فالموت هو أن تُقبض الروح حتف الأنف ، أما القتل فهو هدم للبنية فتزهق الروح ، والدليل على ذلك أن الحق في كتابه الكريم قال: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144]
إذن فحين قال بنو إسرائيل: إنهم قتلوا عيسى ابن مريم كذبهم الحق وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} . ورفعه الله إليه كاملاً ، وسبحانه وتعالى يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} . ويوضح الحق سبحانه وتعالى: لم يتيقنوا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم ، ولكنهم شكوا فيمن قُتل ، فلم يعرف المتربصون لقتله أقتلوا عيسى أو تطيانوس أو سرخس؟