والحق سبحانه جاء هنا بنسبتين متقابلتين ، فبعد أن نفى سبحانه نبأ مقتل عيسى ابن مريم قال: {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} . والنسبة الأولى المذكورة هنا هي الشك ، وهو نسبة يتساوى فيها الأمران . والنسبة الثانية هي اتباعهم للظن ، وهو نسبة راجحة . لقد بدأ الأمر بالنسبة إليهم شكاً ثم انقلب ظناً .
وينهي الحق ذلك بعلم يقيني {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} وسبحانه ينفي بذلك انهم قتلوه يقيناً ، واليقين - كما نعلم - هو الأمر الثابت المعقود في الواقع والأعماق بحيث لا يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد أو يتغير ، وله مراحل هي: مرحلة العلم ، واسمها علم اليقين ، ومرحلة العين ، واسمها عين اليقين ، ومرحلة الحقيقة ، واسمها حق اليقين .
وعندما يخبرنا واحد من الناس أن جزءا من نيويورك اسمه"مانهاتن". وأن مانهاتن هذه هي جزيرة يصل تعداد سكانها إلى عشرة ملايين نسمة ، وفيها ناطحات سحاب ، وجاء هذا الخبر ممن لا نعرف عنه الكذب فيسمعه من لم يَر نيويورك ، فيصير مضمون الخبر عنده علماً متيقناً ؛ لأن الذي أخبر به موثوق به . وإن جاء آخر ووجه للسامع عن نيويورك دعوة لزيارتها ولبى السامع الدعوة وذهب إلى نيويورك ، هنا تحول الخبر من"علم يقين"إلى"عين اليقين". وإن جاء ثالث وصحب السامع إلى قلب نيويورك وطاف به في كل شوارعها ومبانيها ، فهذا هو"حق اليقين"
وأسمى أنواع اليقين هو"حق اليقين"، وقبلها"عين اليقين"، وقبل"عين اليقين""علم اليقين".
وحينما عرض سبحانه المسألة قال: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين * لَتَرَوُنَّ الجحيم * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين} [التكاثر: 3 - 7]