وهذا كلام أوله حظر ، وآخره في الظاهر إباحة ، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن ، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي ، والنفي يستثنى منه الإثبات ، فهو محمول على معنى الأول وباطنه ، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر ، خبر بأنه قد يقع ، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل ، ومثله {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريم: 35] فظاهر هذا الحظر ، والله لا يحظر عليه.
ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ ، فإن قتله خطأ ، فعليه تحرير رقبة في ماله ، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية.
وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي:
{إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم.
قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا [ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر ، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة ، أخبر عياش النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} .
قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر ، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة ، فوجد رجلاً في غنم ، فقتله ، وكان يقول: لا إله لا الله ، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عليه النبي (عليه السلام) قتله ، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة ،
واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد.
وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما ، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك.
والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة ، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ.