وعندما نجد كلمة"عرض"وهذا العرض في"الحياة الدنيا"نفهم - إذن - أنه عرض فيما لا قيمة له. ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده ، وينسى الإنسان أنه هو شخصياً معرض للموت ، أي للذهاب عن الدنيا فيقول: نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة فكيف آسي على شيء لها ذهبا
وكذلك عرض الحياة الدنيا. ونفهم كلمة"دنيا"على أساس الاشتقاق ، فهي من"الدنو"ومقابله"العلو"ومقابل"الدنيا"هو"العليا". ومن يُقَوِّم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة ؛ لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام ؛ لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها.
والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها ، ولا يأخذها من إنسان مثله ، فالحياة الدنيا لا تنفعه ؛ بدليل أنه معرض للقتل.
{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها ، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها ، مثال ذلك: أنّ الإنسأن يكون سعيداً إذا ما ملك غداءه ، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء ، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيت شهراً أو عاماً ، ويكون أكثر إشراقاً عندما يمتلك أرضاً يأخذ منها الرزق ، ويمتلكها أولاده من بعده.
إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه ، ويحب امتداد حياته في غيره ، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد ؛ فهو يعرف أنه ميت لا محالة ، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه ، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر ؛ لأن ذكره يوجد في جيلين. ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل ، لكن ماذا عن حالتك في الآخرة ، أَلاَ تُنَشِّئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك ؟