قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمَّا قَالَ:"أَدُّوا الدِّيَةَ"ثُمَّ قَالَ:"سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَةِ"دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الدِّيَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلَى نِصْفِهَا لَقَالَ: سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي نِصْفِ الدِّيَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ:
سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ} وَهُوَ عَامٌّ فِي الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ.
وَرَوَى مِقْسَمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَى الْعَامِرِيَّيْنِ وَكَانَا مُشْرِكَيْنِ دِيَةَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ} .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْت نَافِعَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ {وَدَى ذِمِّيًّا دِيَةَ مُسْلِمٍ} .
وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُوجِبَانِ مُسَاوَاةَ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ فِي الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَاهُمَا بِمَا فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ دِيَةَ الْمُسْلِمِ.
وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِقْدَارُ الدِّيَةِ مُبَيَّنًا فِي الْكِتَابِ ، كَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارِدًا مَوْرِدَ الْبَيَانِ ، وَفِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا وَرَدَ مَوْرِدَ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ.