وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرِطْ الْقَبُولَ وَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ فَيَصِحُّ إسْقَاطُهُ كَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ وَقَالَ أَصْحَابُنَا:"إذَا رَدَّ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ عَادَ الدَّيْنُ"وَقَالَ غَيْرُهُمْ:"لَا يَعُودُ"وَجَعَلُوهُ كَالْعِتْقِ وَالْعَفْوُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى ثَوْبٍ بَرِئَ فَإِنْ هَلَكَ الثَّوْبُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَتْ الْبَرَاءَةُ وَعَادَ الدَّيْنُ ؟ وَالْعِتْقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ لَا يَنْفَسِخَانِ بِحَالٍ.
وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ ، وَقَدْ حُكِمَ بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ بِهَا ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ إذَا مَلَكَهَا غَيْرُهُ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ ، فَلَا يَمْلِكُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ:"قَدْ أَبْرَأْتُك مِنْ هَذَا الْعَبْدِ"فَلَا يَمْلِكُهُ وَإِنْ قَبِلَ الْبَرَاءَةَ ، وَإِذَا قَالَ:"قَدْ تَصَدَّقْت بِمَا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ ، أَوْ قَدْ وَهَبْت لَك مَا لِي عَلَيْك"صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ.
وَيَدُلُّ عَلَى
ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنٌ وَهُوَ غَنِيٌّ فَقَالَ:"قَدْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك"بَرِئَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي ذَلِكَ.