قِيلَ لَهُ: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَفَتْ أَنْ يُؤْخَذَ الْإِنْسَانُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَخْذُهُمْ بِذَنْبِ الْجَانِي ، إنَّمَا الدِّيَةُ عِنْدَنَا عَلَى الْقَاتِلِ وَأَمْرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِالدُّخُولِ مَعَهُ فِي تَحَمُّلِهَا عَلَى وَجْهِ
الْمُوَاسَاةِ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُمْ ذَنْبُ جِنَايَتِهِ ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ حُقُوقًا لِلْفُقَرَاءِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يُذْنِبُوهُ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ ، وَأَمَرَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ؛ وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لِلْمُوَاسَاةِ وَصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ؛ فَكَذَلِكَ أَمَرْت الْعَاقِلَةَ بِتَحَمُّلِ الدِّيَةِ عَنْ قَاتِلِ الْخَطَإِ عَلَى جِهَةِ الْمُوَاسَاةِ مِنْ غَيْرِ إجْحَافٍ بِهِمْ وَبِهِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ كُلُّ رِجْلٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ فِي أُعْطِيَّاتِهِمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَمُؤَجِّلَةٌ ثَلَاثُ سِنِينَ ؛ فَهَذَا مِمَّا نُدِبُوا إلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.