ووجه آخر وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكُر بني المخاض لا نعلمه رواه إلاَّ خِشْف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلاَّ زيد بن جُبير بن حَرْمل الجُشَمي ، وأهل العلم بالحديث لا يحتجّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف ، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً ، أو رجلاً قد ارتفع عنه اسم الجهالة ، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يرْوِي عنه رجلان فصاعداً ؛ فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذٍ اسم الجهالة ، وصار حينئذ معروفاً.
فأما من لم يرو عنه إلاَّ رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقّف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره.
والله أعلم.
ووجه آخر وهو أن حديث خِشْف بن مالك لا نعلم أحداً رواه عن زيد بن جبير عنه إلاَّ الحجاج بن أَرْطاة ، والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدّث عمن لم يَلْقه ولم يسمع منه ؛ وترك الرواية عنه سفيانُ بن عُيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه ، وكفاك بهم عِلماً بالرجل ونُبْلاً.
وقال يحيى بن مَعِين: حجاج بن أرطاة لا يُحتجّ بحديثه.
وقال عبد الله بن إدريس: سمعت الحجاج يقول لا يَنْبُل الرجل حتى يدع الصَّلاة في الجماعة.
وقال عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج إلى الصَّلاة يزاحمني الحمّالون والبقالون.
وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: أهلكنّي حبّ المال والشرف.
وذكر أوجها أُخَر ؛ منها أن جماعة من الثقات رَووْا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فاختلفوا عليه فيه.
إلى غير ذلك مما يطول ذكره ؛ وفيما ذكرناه مما ذكروه كفايةٌ ودِلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدِّية ، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي.
وروى حماد بن سلمة حدّثنا سليمان التيميّ عن أبي مِجْلَز عن أبي عبيدة أن ابن مسعود قال: دِيَة الخطأ خمسة أخماس عشرون حقّة ، وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون وعشرون بني لَبُون ذكور.