قلت: قد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ في سننه حديث خِشف بن مالك من رواية حجّاج بن أَرْطاة عن زيد بن جُبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال:"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دِيّة الخطأ مائةً من الإبل ؛ منها عشرون حِقّة ، وعشرون جَذَعة ، وعشرون بنات لَبون ، وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بنو مخاض"قال الدَّارَقْطنِيّ:"هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عِدّة ؛ أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه ، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه ، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفُتْياه من خِشف بن مالك ونظرائه ، وعبد الله بن مسعود أتقى لربّه وأشحّ على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بقضاء ويُفتي هو بخلافه ؛ هذا لا يتوهّم مثله على عبد الله بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ولم يبلغه عنه فيها قول: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله ورسوله ، وأن يكن خطأ فمنّي ؛ ثم بلغه بعد ذلك أن فُتْياه فيها وافقَ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها ، فرآه أصحابه عند ذلك فرِح فرحاً شديداً لم يروه فرح مثله ، لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم."
فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ويخالفه.