قُلْتُ: إِنَّ سَبِيلَ الْحَقِّ هِيَ صِرَاطُ الْفِطْرَةِ ، وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْإِنْسَانُ عَقْلَهُ فِي كُلِّ مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَيَتَّبِعُ فِيهِ مَا يَظْهَرُ لَهُ بَعْدَ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي بِاتِّبَاعِهِ خَيْرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ الْعَاجِلَةُ وَالْآجِلَةُ وَكَمَالُهُ الْإِنْسَانِيُّ ، عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْكَمَالِ ، وَمِنْ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَبْحَثَ الْإِنْسَانُ دَائِمًا وَيَطْلُبَ زِيَادَةَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ ، وَلَا يَصُدُّهُ عَنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ شَيْءٌ كَالتَّقْلِيدِ وَالْغُرُورِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَكْمَلُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَيَكُونُونَ أَتْبَاعَ كُلِّ نَاعِقٍ ، وَيَسْلُكُونَ مَا لَا يُحْصَى مِنَ السُّبُلِ وَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمُ الِانْتِسَابَ إِلَى زَعِيمٍ وَاحِدٍ ، وَشُبْهَتُهُمْ
عَلَى تَرْكِ صِرَاطِ الْفِطْرَةِ أَنَّ عُقُولَهُمْ قَاصِرَةٌ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَنْ بَلَّغَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَمُعَاشِرِيهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَقْدَرَ مِنْهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَبَيَانِهِ ، وَالْحَقُّ الْوَاقِعُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ الزُّعَمَاءُ وَلَا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عِلْمِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ