عن الجماع بحبس شهوته، وعن الشراب بحبس ماله لبخله.
وفي اتصال هذه الآية بما قبلها وحكمتها صعوبة، ووجه ذلك
أنه لما أمر تعالى الناس فيما تقدم بالهجرة، ونهى عن موالاة من
تأخر، استثنى بهذه الآية من يحصل له إحدى حالتين؛ إما أن
يصلوا إلى قوم بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -
عهد لتعذر لحوقهم به، فيقيموا إلى وقت الإِمكان به؛ وإما أن يهاجروا ويأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين
فتحصر صدورهم أن يقاتلوا المسلمين لعلمهم بكونهم على الحق.
وأن يقاتلوا قومهم لكونهم غير آمنين على مالهم وذويهم، فهذا
معنى قوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) .
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) إظهار من الله تعالى لنعمته
على المسلمين وأنه لو لم يهدهم لكانوا في جملة المتسلطين عليكم.
ثم بيّن أنهم إذ قد اعتزلوا وأظهروا الإِسلام فاتركوهم؛ فهذا
على ما ذكر هذا القائل هم الذين أسلموا ولم يستحكم إيمانهم،
ولم يبلغوا الحدَّ الذي لا يحرجون في نصرة الدين إلى أهلٍ.
وقال قتادة - وقد رُوِيَ عن ابن عباس: - أن قوله:
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ) هو في قوم من الكفار
اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة فلم يكونوا من الكافرين.
ولا مع المسلمين، قال: وهذا معنى (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
قال: ثم نسخ ذلك بآية القتال، والقول الأول أظهر وأحسن.
وقوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) في موضع الحال عند الفرّاء.
قال: وتقديره قد حصرت صدورهم، وتقوَّى ذلك بقراءة الحسن
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ) ، وقال بعضهم:
هو خبر بعد خبر، كأنه قيل: أو حصرت صدورهم.
وقال الجرجاني في كتاب النظم: تقديره: وإن (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) فحذف إن.
قال: والفعل الماضي يقع في الشرط موقع المستقبل.