على أن من الأحاديث الصحاح ما خالف حديث ابن مسعود الذي ذكر فيه إرسال الملك لنفخ الروح بعد ثلاث أربعينات.
فقد روى مسلم في صحيحه حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب , أجله؟ فيقول ربك ما شاء, ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص). [رواه مسلم، كتاب القدر من صحيحه، حديث 2645] .
فهذا الحديث جعل بعث الملك وتصويره للنطفة بعد ستة أسابيع ــ اثنتين وأربعين ليلة ــ لا بعد مائة وعشرين ليلة، كما في حديث ابن مسعود المعروف، وجمع بعض العلماء بين الحديثين باحتمال تعدد إرسال الملك، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح.
ومن هنا أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه، لم يخالف في ذلك أحد من السلف أو الخلف.
أما مرحلة ما قبل نفخ الروح، فمن الفقهاء من أجاز الإجهاض حينئذٍ إذا دعت إليه حاجة، على اعتبار أن الحياة لم تدب فيه بعد، فهو في نظرهم مجرد سائل، أو علقة من دم، أو مضغة من لحم. ويقول بعض إخواننا من علماء الطب والتشريح تعليقًا على أقوال من أجازوا من الفقهاء إسقاط الجنين قبل نفخ الروح إن هذا الحكم من هؤلاء العلماء الأجلاء مبني على معارف زمنهم. ولو عرف هؤلاء ما عرفناه من حقائق علم الأجنة اليوم عن هذا الكائن الحي المتميز،