المبحث الأول
منهج البحث عند العلماء المسلمين
لقد أدى ظهور الإسلام إلى انتظام حركة علمية في كل مكان أشرق فيه نوره، وكان منشأ هذه الحركة العلمية من خلال حث التعاليم الإسلامية على التعلم والتفقه والتطبب, فرفع من شأن العلم والعلماء والفقهاء والأطباء حيث أمر التداوي وبالوقاية من الأمراض ومختلف الأسقام وكثيرًا ما سمّى الأشياء بأسمائها تعليمًا وإعجازًا, وحارب الجهل والسحر والشعوذة, وأمر بالتفكر والبحث وقد ترسخ هذا المنهج في نفوس المسلمين وعقولهم فبرز منهم كثيرون وبرز المنهج العلمي في البحث والتجريب والتداوي على أيدي أطباء مهرة يشهد لهم التاريخ الإنساني قبل الإسلامي والعدو قبل الصديق, فقد أحدثوا ثورة في التفكير والمنهج العلمي الطبي في التشخيص والمداواة بالعقاقير والأعشاب وفي التعاليم والشروحات والأوصاف, وأعملوا فكرهم وأيديهم وأنظارهم وكل حواسهم خدمةً لصحة الإنسان ولراحته, ومن المعلوم أن علماء اليونان كأفلاطون وأرسطو كانوا يعتقدون بل يؤكدون بأن الحقيقة هي ما يتوصل إليه العقل دون الاستعانة بالحواس التي تفسد عمل العقل (حسب رأيهم) كما كان كثير ًمن مفكريهم وفلاسفتهم يحتقرون العمل اليدوي وهو لا يليق بالعلماء, وهذا ما رفضه العلماء المسلمون الذي دعوا إلى عدم الاكتفاء بالنظريات وأكدوا على ضرورة الاعتماد على التجربة والبرهان الحسي لقبولها أو رفضها, ولعل العالم المسلم جابر بن حيان من أوائل العلماء الذين اضطلعوا بوضع المنهج العلمي التجريبي وقد ضم كتابه (الخواص الكبير) أسس هذا المنهج إذ يقول فيه (ويجب أن تعلم أنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه بعد أن امتحناه وجربناه فما صح أوردناه وما بطل رفضناه وما استخرجناه نحن أيضًا قايسناه على هؤلاء القوم) (66) .