المبحث الثاني
الدوافع الحقيقية الكامنة
خلف الدعوة إلى تحديد النسل (13)
إن دعوة (مالتوس) لقيت رواجًا بلا شك، عند كثير من الشعوب والبلدان، لا سيما الأوروبية، إلا أن شيئًا من هذا الرواج لا يعود إلى تصديق الناس أو بعضهم للمخاوف التي حذر منها مالتوس وأنصاره، ولا يعود إلى شيء من الأفكار والتنبؤات التي ساورتهم بهذا الصدد، ولكن هذه الدعوى صادفت هوى في نفوس كثير من الناس في مختلف الأصقاع والبلدان، أثاره سلطان الحضارة الحديثة، وهاجته الحياة المادية التي حولت إنسان هذه الحضارة إلى حيوان أناني شرس، يؤمن بالأثرة بدلًا من الإيثار، ويتقوقع في سبيل المحافظة على الذات بدلًا من أن تلين نفسه وتنتشر في ساحة التعاون الأخوي مع الآخرين، ويتضح ذلك في مظاهر كثيرة من حياة الأوربيين ومقلديهم، نلخص أهمها فيما يلي:
أولًا: نسجت الحياة المادية في أذهان هؤلاء الناس عقلية مادية جعلت كل فرد منهم لا يفكر إلا في نفسه، إذ هو لا يكاد يقنع من أسباب الترف والعيش الرخي بما قد تطوله يداه من أيسر سبيل وفي أقصر زمن، بل يضع كل همه في أن يوفر لنفسه أعلى درجات اللذة وأكمل أسباب المتعة، ولا يكاد العمر يتسع لذلك كله، فأنت لا تكاد تجد أبًا يسأل عن ابنه أو ابنته، أو زوجًا يتكفل بنفقات زوجه، أو أخًا يعين أخاه في بعض أمره، و الكل في سباق على المتعة والترف بأتم أشكالهما، وهكذا تتقلص نزعة المسؤولية، بل تنمحي تدريحيًا في ظل هذه الحياة الجشعة، فيسعى الرجل جهد