المبحث الأول
علاج الحالات الميؤوس منها
ذكر الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) الأسباب التي دعت بعض الصحابة والتابعين إلى ترك التداوي. وكان أول تلك الأسباب أن يكون المريض قد علم بقرائن أو بكشف، أن مرضه مرض الموت، وأن لا فائدة بالتالي من التداوي، فيترك المريض التداوي، وهو ما حدث لأبى بكر الصديق ــ رضي الله عنه ــ وبعض الصحابة مثل أبي الدرداء ومعاذ بن جبل عندما رفضوا التداوي. ولا شك أن المريض يستطيع أن يقرر عدم التداوي (متى كان مرضه غير معد، ولا يمكن مداواته) . وهو أمر قد كفلته له الشريعة الغراء كما كفلته له القوانين الوضعية، ولكن الإشكال يأتي من أمرين:
أولهما:
أن المريض قد يكون فاقدًا للوعي أو مشوش الوعي بحيث لا يستطيع أن يعطي قرارًا في مثل هذه الحالة. أو أن يكون قاصرًا، فهل من حق وليه أن يقرر ذلك نيابة عنه بناءً على ما كان يعرفه عن حالته قبل إصابته بهذا المرض المخيف)؟
ثانيهما:
إن التقدم الطبي الواسع في العصر الحديث وخاصة في الثلاثين سنة الأخيرة، قد أدى إلى إنقاذ حالات عديدة. وفي نفس الوقت أدى إلى وجود آلاف الحالات التي لا هي في عداد الأحياء ولا في عداد الأموات. وهو ما يطلق عليه الحياة النباتية Vegetative States مما أدى إلى تعاسة المصابين وأهليهم ومعاناتهم، بالإضافة إلى العبء الكبير على المستشفيات والأطباء والممرضين. وحيث تقدر كلفة رعاية هؤلاء بعشرات وربما مئات الملايين من الدولارات سنويًا.