المبحث الأول
تواكل لا توكل
من أهم الخصائص المميزة للواقع البشري الراهن، خاصة"العلمية"وأعني بها أن الحضارة المعاصرة علمية يقودها العلم والعلماء ولا تتحرك في مواقفها الكلية والجزئية إلا إذا قدم الخبراء والمتخصصين الإشارة الخضراء، فحضارة العلم تعني الحضارة التي أصبح التوجيه فيها عن طريق العلم والثقافة، فالعلم مرسوم سلوكيًا، ويتدخل تلقائيًا في كل شؤون الحياة والمجتمع، والعلم هو القائد للحضارة وفي هذه الحالة، تموت الدروشات، ويضمحل الجهل ويتراجع التكهن الخرص وعندما يصبح التوجيه بين يدي العلم، تصبح للفكرة قيمة ولصاحبها رسالة يعيش من أجلها. وهذه الرسالة في كل الحالات خاضعة لعقيدة الإنسان وفلسفته في الحياة وبشكل عام تمثل العلمية الطاقة الخلاقة التي فتقت الخيرات المركوزة في البشر فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من الدقة والإتقان واستطاعوا أن يتحكموا في الكثير من سنن الله في الخلق فالعلمية هي الضوء الخافت الذي ينساب بين دروب الجهل، ليتحول إلى نور ساطع ينير طريق السائر في الكون إن تدبروا، وفقهوا ووعوا ولكنها قد تتحول إلى مرض عضال تسقط الحضارات العملاقة، وذلك عندما تمسكها الأيدي التي لا تعرف قيمتها (38) .
ولقد كان لخاصيتي العلمية والعملية دور بالغ الأثر في طبع الواقع العالمي الراهن بميزة التخصص الدقيق في كل شيء. فعلى صعيد المعرفة مثلًا تفرعت المعارف وتخصصت بشكل لم يكن يتصوره"دور كهايم"وهو يقدم ملاحظاته في موضوع علم الاجتماع فقد تعب كثيرًا في موضوع التسمية نفسه، واليوم نجد هذا العلم متفرعًا إلى