والاستفادة بالعلم لا المال, وقد عالج الأمير نوح بن منصور فشفاه وأصاب حيث أخطأ أشهر الأطباء فقربه الأمير وأذن له في الإطلاع على دار كتبه وكانت ضخمة ذات بيوت كثيرة (78) وعمل رئيسًا لأطباء بيمارستان (الري) ثم رئيسًا لأطباء بغداد.
وقد تمكن أبن سينا بملاحظاته السريرية من أن يصف في دقة تقيح التجويف البلوري وأن يميز بين الالتهاب الرئوي والإلتهاب السحائي وأن يفرق بين المغص المعوي والمغص الكلوي وبين شلل الوجه الناشئ عن سبب مركزي في الدماغ وما ينشأ منه عن سبب محلي، وحدد مختلف أنواع اليرقان وأسبابها، وكان صاحب الفضل في علاج القناة الدمعية بإدخال مسبار معقم فيها وأول من شخص داء الأنكلستوما (79) .
ومن أبرز العلماء المسلمين المهتمين بالمنهج التجريبي الكيميائي جابر بن حيان المتوفي سنة (190هجرية) وهو وإن لم يكن طبيبًا فقد قام بالدور المقابل لدور حنين بن إسحق في النقل والترجمة بصدد المدرسة القياسية، وأعني به إرساء أسس المنهج التجريبي الذي كان سمة أساسيه من سمات الفكر الإسلامي, وقد استقاها العلماء المسلمون من قياس الغائب على الشاهد لدى الأصوليين من الفقهاء, وقد تخرج جابر بن حيان في مدرسة الإمام جعفر الصادق الذي يوجه بعض تلاميذه إلى البحث في ملكوت الله استجابة للآيات القرآنية التي تحث على ذلك, فحرر علم الكيمياء من السحر والأسرار ونحا بها نحوًا تجريبيا ًخالصًا, يقول عنه الدكتور/ زكي نجيب محمود: أما عن الجانب الاستقرائي من المنهج العلمي وهو جانب يكاد ينسب كله لمناطق أوروبا ابتداء من النهضة العلمية أبان القرنين السادس عشر والسابع عشر فقد سبق إبن حيان إلى الكتابة بما يكفي وحده أن يضع هذا العالم بين أئمة المنهج العلمي وإنه من حقه علينا أن نسجل له بالفخر والإعجاب منهجًا فكريًا رسمه لنفسه في القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي وهو منهج لو كُتب بلغة عصرنا ولو فصل القول فيه قليلًا لجاء وكأنه من نتائج العصر الحديث (80) .