وقد ظلت المؤلفات الطبية الإسلامية تدرس في الجامعات الأوربية حتى منتصف القرن السادس عشر فبعد انتشار الدين الإسلامي نال الطب ــ ومنهم أطباء الأندلس وجراحيها ــ من السمو والتقدم أعظم ما ناله من قبل وقد عرف علماء الطب في العرب عن طريق مدارس العرب (في صقلية وأسبانيا) بوجه خاص ترجمات لاتينية للكتب الطبية العربية، وظل الأطباء العرب يحتلون أرفع منزلة وأسمى مكانة بين أطباء العالم حتى منتصف القرن السادس عشر كما أسلفنا، أما طريقة الفحص والبحث الطبي عند الأطباء المسلمين فقد ارتقت إلى أرقى أساليب الفحص الطبي المعاصر فكان الطبيب يجس النبض ويحلل البول ويتتبع تاريخ المريض وقصته المرضية والعائلية الصحية وعاداته وطريقة معيشته والمناخ الذي يعيش فيه ويفحص الجلد والعين والتنفس لذلك برعوا في التشخيص التفريقي للأمراض. وقد كان انتقال الطب إلى أوروبافي فترة مبكرة حيث أنشئت مدارس للطب في كل من نابولي ومونبلييه وبولونيا وأورليان واكسفورد وكامبردج وكلها تعتمد على المراجع العربية المترجمة إلى اللاتينية كأساس لتدريس العلوم الطبية ومن أهم الكتب التي ظلت عمدة للدراسة الطبية طيلة ستة قرون كتاب (القانون في الطب) لأبن سينا وقد طبع هذا الكتاب في روما عام 1593م وكان أساسًا للدراسات الطبية في فرنسا وإيطاليا خلال ستة قرون ويتألف هذا الكتاب من خمسة أجزاء اشتملت على علم وظائف الأعضاء وعلم الصحة وعلم الأمراض وعلم المعالجة والأعراض والعلامات للأمراض كما كانت له معرفة بالطب النفساني, ومن الجَّراحين العظام العربي المسلم أبو القاسم القرطبي الشهير بالزهراوي له كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) مؤلف من ثلاثة أقسام: قسم طبي وقسم صيدلي وقسم جراحي, يقول عنه العالم الفيزيولوجي الشهير (هالر) : (كانت كتب أبي القاسم الزهراوي المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر, ونرانا مدينين لأبي القاسم بكثير من الآلات الجراحية التي تظهر صورها في كتبه) . (68)