فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 975

ألم والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر - صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين ولبس على رأسه المغفر واقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب وأدخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: (أعقلها وتوكل) (78) فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل والله أعلم (79) .

ومما يدل على فضل التداوي وأنه مأمور به ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة في قصة الطاعون فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتًا عظيمًا ووباء ذريعًا, فافترق الناس فرقتين، فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة وقالت طائفة أخرى بل ندخل ونتوكل ولا نهرب من قدر الله تعالى ولا نفر من الموت فنكون كمن قال الله تعالى فيهم: أَلَمْ أَلَمْ تَرَ الَّذِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ (80) فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال نرجع ولا ندخل على الوباء، فقال له المخالفون في رأيه: أنفرّ من قدر الله تعالى؟ فقال عمر: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم ضرب لهم مثلًا فقال: أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط واديًا وله شعبتان أحدهما مخصبة والأخرى مجدبة أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله تعالى؟ فقالوا: نعم , ثم طلب عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه وكان غائبًا فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك، فقال عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: عمر: الله أكبر, فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه) (81) ففرح عمر رضي الله عنه بذلك وحمد الله تعالى إذ وافق رأيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت