تركها ما كان من كلام الجاهلية ومن الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفرًا. بخلاف الرقي بالذكر ونحوه. وتعقبه عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقي الجاهلية ونحوها فليس مسلمًا فلم يسلم هذا الجواب.
ثانيهما: قال الداودي وطائفة: أن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء فلا, وهذا اختيار ابن عبد البر.
ثالثهما: قال الحليمي: أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لرفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه فهم غافلون عن طب الأطباء ورقي الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئًا والله أعلم.
رابعهما: عن المراد بترك الرقي والكي والاعتماد على الله في رفع الداء والرضا بقدره , لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه, قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز مع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينًا فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا بخلاف غيره ولو كان كثيرً التوكل لكن من ترك الأسباب , فوض واخلص و في ذلك كان أرفع مقامًا، قال الطبري: قيل لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسعى في طلب رزق ولا في مداواة