ورجع من الجابية بالناس، فإذن كيف اتفق الصحابة كلهم على ترك التوكل وهو من أعلى المقامات أن كان أمثال هذا من شروط التوكل: قال الغزالي: فإن قلت فلم نهى عند الخروج من البلد الذي فيه الوباء، وسبب الوباء في الطب الهواء وأظهر طرق التداوي الفرار من المضر، والهواء من المضر فلم يرخص فيه فأعلم أنه لاخلاف في أن الفرار عن المضرّ غير منهي عنه إذ الحجامة والفصد فرار من المضر، وترك التوكل في أمثال هذا مباح وهذا لا يدخل على المقصود ولكن الذي ينقدح فيه والعلم عند الله تعالى أن الهواء لا يضر من حيث أنه يلاقي ظاهر البدن بل من حيث دوام الاستنشاق له ,فإنه إذا كان فيه عفونة ووصل إلى الرئة والقلب وباطن الأحشاء أثر فيها بطول الإستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن, فالخروج من البلد لا يخلص غالبًا من الأثر الذي استحكم من قبل ولكن يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقى والطيرة وغيرهما ولو تجرد هذا المعنى لكان مناقضًا للتوكل ولم يكن منهيًا عنه ولكن صار منهيًا عنه لأنه إنضاف إليه أمر آخر وهو أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لما بقي في البلد إلا المرضى الذين أقعدهم الطاعون فانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهدين ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك سعيًا في إهلاكهم تحقيقًا وخلاصهم متنظر كما أن خلاص الأصحاء منتظر فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعًا بالخلاص وهو قاطع في اهلاك الباقين والمسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضًا والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر أعضائه, فهذا هو الذي ينقدح عندنا في تعليل النهي وينعكس هذا فيمن لم يقدم بعد على البلد فإنه لم يؤثر الهواء في باطنهم ولا بأهل البلد حاجة إليهم, نعم لو لم يبق بالبلد إلا مطعونون وافتقروا إلى المتعهدين وقدم عليهم قوم, فربما كان ينقدح استحباب الدخول ههنا لأجل الإعانة ولا ينهي عن الدخول لأنه تعرض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين وبهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف (82) لأن فيه كسرًا لقلوب بقية المسلمين