وكان أهم ما يميز الطب الإسلامي بطابعه الخاص، هو استيعابه لعلوم السومريين والبابليين والسوريين والمصريين والهنود والإغريق والفرس، علاوة على ما أضافوه من حقائق ومعلومات طبية رائدة في بابها ونوعها، أمثال علي بن زين الطبري والمجوسي والفارابي والرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس وابن البيطار، وغيرهم من أطباء المسلمين الذين ما زالت بحوثهم الطبية تشهد على عبقريتهم وعلى إبداعاتهم في مختلف العلوم والفنون الطبية.
وها نحن لا نبخس الطب الحديث حقه، ولكنه بدوره يبخسنا حقنا كمسلمين، مع أنه برأيي ورأي كثير من المنصفين، بأنه كما يقول المثل العربي (لولا ذاك الغيم لما هطل هذا المطر) . فالطب الحديث لم يبدأ من فراغ، ولا من الصفر، وبما أن من خصائصه التراكمية، فأين حياديته في الاعتراف بفضل المسلمين وطبهم وعلمهم المستمد من الشريعة السمحاء ومن بحوث أتباعه العلمية وممارساتهم على مر العصور والأزمان.
إن للطب الإسلامي خصوصيته، وكيانه، فهو يعترف بالطب الحديث ويمارسه طالما فيه الشفاء وطالما وافق ما عُلم من الدين بالضرورة، والتزم بالأخلاق الفاضلة، وما لا يرضاه الإسلام فهو تلك الممارسات الحديثة التي لا تقيم وزنًا لحرمة وكيان النفس البشرية، والعقل والروح، فباسم العلم، وباسم الطب والهندسة الوراثية التي تشفي من أدواء مستعصية وكذلك تلعب وتخالف الأخلاقيات الطبية المنصوص عليها حتى من المؤتمرات الطبية العالمية، ومتعارف عليها بين أصحاب المهنة منذ أقدم العصور، إنها رعونة طبية وقلة أمانة، وتجاوز للحدود ومكارم الأخلاق الطبية.
بل يأمر الإسلام بالتطبب من الداء في أحاديث كثيرة، ويجعل منه سببًا بالشفاء ونرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر سعد بن أبي وقاص بالتطبب لدى الحارث بن كلدة (وكان طبيبًا) بمكة، ونراه - صلى الله عليه وسلم - يأمر بانتقاء الأفضل، لما رواه عنه زيد بن أسلم: أن رجلًا أصابه جرح فاحتقن