فتركه، وأخذ يتمشى في البهو الفسيح، ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته، وجلس على كرسي، واتكأ على منضدة، وسادت فترة هدوء لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر، وبعد قليل، تقدم من حافظ، وقال له: افرض أنني لم أعتذر إليك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين، سأكتب تقريرا إلى قنصلكم هنا، وإلى سفارتكم أولا، ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس، ثم الجرائد الفرنسية المحلية والأجنبية، ثم أتراقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس، فأشكوك إليه، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك، استطعت أن أهينك في الشارع، وعلى ملأ من الناس، وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد، ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق.
فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع"أفوكاتو- أي محام - لا نجار".
ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس، فكيف تتصور أن أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني، لا في وطنك، وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة، وستنتهي، ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى. وبعد فترة عاد مرة ثانية، وعلى وجهه أمارات الثائر، وطرق المنضدة بيده في عنف مرات، وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء، وقال: متشكر يا مسيو سولنت، وزاول عمله حتى أتمه.
وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت 150 قرشا، فأخذ منها 135 قرشا ورد له العشرين، فقال له: خذها بقشيشا- أي إكراما- فقال: لا، لا، حتى لا آخذ أكثر من حقي، فأكون"حرامي"، فدهش الرجل، وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت:"فاميلي محمد".