{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة) .
الثانية: درجة التفريط، وهي أن ينحط الغضب عن درجة الاعتدال، بأن يضعف في الإنسان، أو يفقد منه رأسا، وتلك الحالة مذمومة شرعا، وعقلا؛ لأن من لا يغضب لنفسه، أو لدينه، أو لعرضه، أو لماله، أو للمصالح العامة فهو جبان لم يجر على سنن الله في خلقه.
وفي ذلك خطر عظيم على الاجتماع؛ لأنه مثار الفوضى في جميع مرافق الحياة كما علمت.
الثالثة: درجة الإفراط، وهي أن يخرج الغضب عن حد الاعتدال، ويطغى على العقل والدين، ويندفع في سبيل الشر اندفاعا قد يؤدي إلى الهلاك من حيث لا يدري، وربما جره غضبه لأجل أمر يسير إلى ارتكاب أكبر الجرائم، وشر الموبقات، ومعلوم أن الغضب في تلك الحالة مذموم شرعا وعقلا، وتتفاوت درجات الذم بتفاوت الآثار المترتبة عليه قوة وضعفا، فكلما اشتد ضررها كان الغضب أكبر حجما، وأكثر ذما". (1) "
وللغضب أسباب تؤدي إليه، وبواعث توقع فيه، وأهم هذه الأسباب وتلك البواعث:
1 -البيئة المحيطة بالمرء:
والسبب الأول الذي يؤدي بالمرء إلى الغضب إنما يرجع إلى البيئة المحيطة بهذا المرء، أعمّ من أن تكون قريبة - وهي البيت، أو بعيدة - وهي المجتمع؛ إذ قد تحيط بالمرء بيئة مليئة بأشرار يحسبون التهور شجاعة، وطغيان الغضب الموجب للظلم رجولة، فتتأثر نفسه بذلك، وتصبح سرعة الغضب عادة له، وشعارا.
2 -المراء أو الجدل:
والسبب الثاني المؤدي إلى الغضب إنما يرجع إلى المراء أو الجدل بالباطل؛ ذلك أن كلا من المتخاذلين يريد الانتصار على الآخر، ولو بالباطل، وحين لا يتم له ذلك يغضب ويثور، قاصدا السطو أو الانتقام، لا سيما إذا كان يرى نفسه أقوى وأشد ممن يناظره أو يجادله.
(1) - انظر: هداية المرشدين ص 263، 264.