"أفلح منكم من حفظ من الطمع، والهوى، والغضب". (1)
وقيل لعبد الله بن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة، فقال: اترك الغضب. (2)
تلك هي حقيقة الغضب في الإسلام، وقد لخص هذه الحقيقة بأسلوب سهل ميسور الشيخ علي محفوظ نقلا عن الغزالي في الإحياء فقال:
للغضب ثلاث درجات:
الأولى: درجة الاعتدال، بأن يغضب ليدافع عن نفسه، أو دينه، أو عرضه، أو ماله، أو ليدافع عن الحقوق العامة، ونصرة المظلوم، وتلك الحالة التي من أجلها خلق الغضب، فهو مخلوق لحكمة ضرورية اقتضتها طبيعة العمران، وطلبها نظام المجتمع الإنساني، فإن التنافس في هذه الحياة، والتزاحم على مرافقها يستدعي دفاعا قويا عن النفس، والدين، والمال، والعرض والحقوق العامة، ولولا ذلك لفسدت الأرض بانتشار الفوضى، وتقويض نظام الاجتماع؛ لأن من لا يغضب لنفسه كان معرضا للزوال من هذا الوجود، أو معرضا لأن يسخره غيره تسخير الدواب التي لا تغضب لنفسها، ومن لا يغضب لدينه، فإنه يكون عرضة لتقليد القوي في كل ما يراه ويستحسنه، فينتقل من دين إلى دين بسبب التقليد الأعمى، ومن لا يغضب لعرضه لا يغار على نسائه، وتختلط الأنساب، وتشيع الفاحشة في طبقات الأمة، ويصبح الإنسان كالحيوان ينزو ذكره على أنثاه بدون غيرة ولا حمية، ومن لا يغضب لماله فإنه لا يلبث أن يسلبه الناس منه فيصبح فقيرا معدما، وإذا فشا سلب المال تعطل نظام العمل، بل بطلت الأعمال التجارية، والصناعية، والزراعية، واعتمد الناس على سلب بعضهم بعضا، وذلك شر ووبال في العاجل والآجل، ومن لا يغار للحقوق العامة، وإنصاف المظلومين فقد خالف مقتضى الطبيعة التي فطر الله الناس عليها، وفي مثله يقول الإمام الشافعي - رحمه الله: من استغضب فلم يغضب فهو حمار؟ أي بليد الطبع، فاقد الحمية، والى ذلك يشير قوله تعالى:
(1) - هذان الأثران أوردهما الغزالي في إحياء علوم الدين 3/246.
(2) - هذان الأثران أوردهما الغزالي في إحياء علوم الدين 3/246.