والآفة التاسعة عشرة التي تصيب نفرًا من العاملين، بل لا يكاد يسلم منها إلا أصحاب الهمم العالية، والإرادات القوية والعزائم الصادقة، إنما هي:"التسويف".
وحتى يتخلص منها من أصيبوا بها، ويتقيها، ويتجنبها من سلمهم الله - عز وجل - منها، فإننا سنعرض لها بإذن الله من الجوانب التالية:
أولا: تعريف التسويف:
لغة
التسويف لغة يطلق على معان عدة، نذكر منها:
أ - التأخير والمماطلة، يقال: سوف يسوف تسويفا أخر، وماطل، يؤخر، ويماطل، تأخيرًا، ومماطلة، وسوف حرف يدخل على الفعل المضارع، فيخصصه للاستقبال ودلالته التأخير، يقال: سوف أسافر.
ب - والتهويل، يقال: سوَّف الأمر تسويفًا معنى هوله وضخم من شأنه، ومنه قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} (الأنعام: 67) ، {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} (الحجر: 3) .
ج - والوعد، يقال: سوف بالحسنة تسويفًا يعني وعد بها مستقبلًا ومنه قوله تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} (النساء: 74) ، {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} (النساء: 146) .
د - والوعيد، يقال: سوف بالسيئة تسويفا، يعني توعد بها مستقبلا، ومنه قوله تعالى: {قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا} (الكهف: 87) ، {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} (مريم: 59) . (1)
وعندي أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، إذ هي وعدا، أو وعيدا أو تهويلا إنما ترد إلى معنى التأخير أو التأجيل والمماطلة.
اصطلاحا:
أما معنى التسويف اصطلاحًا، فهو المماطلة أو التأجيل على سبيل التهويل، والتضخيم لتنفيذ المطلوب وعدا كان أو وعيدا.
ثانيا: وضع التسويف في ميزان الإسلام مع بعض ما يدل عليه من سمات ومظاهر:
والتسويف بهذا المعنى ليس مذموما كله وليس محمودا كله، بل منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود.
(1) - انظر: الصحاح في اللغة والعلوم ص 516، والمعجم الوجيز ص 329، وبصائر ذوي التمييز 3/ 378.