ذلك أن من جعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، وسعى إلى سبق ومجاراة الآخرين في تحصيلها ينصرف لا محالة عن أعمال الآخرة، وربما لا يجد من الأوقات والتفكير ما يعينه على إتيان هذه الأعمال.
4 -كراهية الموت والدار الآخرة:
ومن انصرف عن أعمال الآخرة، واشتغل بالدنيا، وبالتسابق والتباري في تحصيلها يكره الموت والدار الآخرة؛ لأنهما يقطعانه عما هو مشتغل متعلق، متلذذ به، فضلا عن أنه لم يقدم شيئا يسعى إليه في الآخرة.
ولعل هذا هو ما فقهه ذلك العالم الجليل أبو حازم الأعرج وقد سأله سليمان بن عبد الملك قائلا: يا أبا حازم، ما لنا نكره - الموت ؟ فأجاب: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فكرهتم الانتقال من العمران إلى الخراب. (1)
ب - على العمل الإسلامي:
وأما آثار تنافس الدنيا على العمل الإسلامي فأهمها:
1 -الفرقة والتمزق:
ذلك أن التنافس على الدنيا يؤدي إلى الخصومات، وهي بدورها تؤدي إلى العداوة، والكراهية، والبغضاء، وحينئذ لا يكون وحدة ولا اجتماع ولا ترابط، وهذه هي قاصمة الظهر حقا.
2 -طول الطريق مع كثرة التكاليف:
ذلك أنه حين ينتهي الأمر بالعمل لدين الله إلى حد الفرقة، تفسح الطريق أمام العدو فيمتطي الظهور، ويطوق الأعناق، ويشدد الخناق، فتعظم التكاليف، وتطول الطريق، وينتفش الباطل، وينتشي، ويعود من جديد لبذر بذور الشر والفساد. ولقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل هذه الآثار سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي، ولكن في إجمال حين قال:"... فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"، (2) "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا..."الحديث. (3)
(1) - الحديث سبق تخريجه.
(2) - الحديث سبق تخريجه.
(3) - الأثر سبق تخريجه.