وحسبنا ما كان بين إمامين جليلين من أئمة المسلمين: الأول: الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي، المعروف بابن حجر العسقلاني (ت 852 ه) ، والآخر العلامة بدر الدين محمود بن أحمد المعروف بالعيني (ت 855 ه) ، وكلاهما له شرح نفيس على صحيح البخاري، وقد كانا على صلة وثيقة، وصداقة وصحبه، وذهبا معا رفقة السلطان - في السفرة الحلبية - واستضاف العيني ابن حجر في بلدته عيتاب، فلبى الحافظ ذلك، وأخذ كل منهما عن الآخر، ثم سعى بينهما الوشاءون النمامون، فدب الخلاف بينهما، وتتبع كل منهما الآخر في كتبه ومؤلفاته، ودروسه واملاءاته، وأول ما بدأ الخلاف بينهما على ما يحكي المؤرخون أن اتفق أن المئذنة التي بنيت على البرج الشمالي بباب زويلة للجامع المؤيدي بمصر، قد مالت، وكان العجني يدرس بالجامع المؤيدي آنذاك، فرسم محضر بهدمها، فقال ابن حجر معرضا بالعيني:
لجامع مولانا المؤيد رونق منارته بالحسن تزهو وبالزين
أصيب بعين، قلت ذا غلط فليس على جسمي أضرمن العين
فذكر بعض الجلساء للعيني أن ابن حجر عرض به، فغضب ورد عليه قائلا:
منارة كعروس الحسن إذ جليت وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر (1)
ثم اتسع الخلاف بينهما، وإن كان ذلك لم يمنع كل واحد منهما من إنصاف الآخر والشهادة له بالفضل، ومتانة الدين، والكفاية العلمية، ولا سيما عندما يسأل أو يستشهد، وقاتل الله الوشاة النمامين.
2 -فتح الطريق أمام الناشئة وضعاف النفوس أن يقعوا في هذه ا لآفة:
وأخيرا، فإن شيوع النميمة في الأمة يفتح الطريق أمام الناشئة، وضعاف النفوس أن يقعوا في هذه الآفة، وحينئذ تتسع أسباب الفرقة والتمزق، ويكون العذاب الأليم.
(1) - انظر: الحافظ ابن حجر العسقلاني أمير اللمؤمنين في الحديث للأستاذ عبد الستار الشيخ ص 341- 345 بتصرف كثير.