وقد حفظ لنا التاريخ الإسلامي من عصر النبوة إلى يومنا هذا صورا توضح هذا الأثر، وحسبنا منها ما ذكره ابن إسحاق، وغيره من كتاب السيرة النبوية: أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث، وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتغاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فجعل يسكنهم ويقول:"أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم"وتلا عليهم هذه الآية: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} (آل عمران: 103) ، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح رضي الله عنهم. (1)
(1) - انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير اللعباد لمحمد بن يوسف الصالحي 3/ 580 - 582.