فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت، فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر، وهو يفعل ذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا، فلما طلع النهار إذ نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتموني ثمن قرأي ؟ ثم إنه لحقنا، وقال لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي، فأخذناه وانصرف. (1)
وعلى نحو ما حفظ عن مفتي الديار المصرية الأسبق المرحوم الشيخ محمد حسنين مخلوف، إذ أوى في داره واحدا من أبناء الحركة الإسلامية الفارين من جحيم زعماء ثورة يوليو المصرية المباركة لعشر سنين، وهو يعلم تمام العلم أنه لو كشف أمره، فإن رقبته هي ثمن هذا الإيواء، ولكن جوده هو الذي حمله على ذلك مستعينا بالله. نعم إن مطالعة أخبار هذا الصنف من البشر له دور كبير في تحريك الأشحاء من داخلهم، علهم يتوبون أو يذكرون.
6 ـ الانسلاخ من الوسط المعروف بالشح والارتماء في الأوساط المعروفة بالجود والسخاء، فإن مثل ذلك يحمل الشحيح على الاقتداء والتأسي، أو على الأقل المحاكاة والتشبه.
7 ـ التخلص من داء الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق، وعلى نحو ما رسمنا في الجزء الأول من هذه الآفات، فإن من تحرر من الاستعلاء، والتكبر في الأرض بغير الحق يسهل عليه أن يتحرر بعد ذلك من الشُّح على اعتبار أنه ثمرة من ثماره المرة.
8 -تطهير الصدر من الأحقاد، فإن الصدر إذا طهر من الأحقاد سهل على صاحبه أن يتحرر من الشُّح، وربما تجاوز ذلك إلى المواساة بل الإيثار، على نحو ما جاء في كتاب الله عن الأنصار {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] .
(1) - انظر: مدارج السالكين 2/292.