ولقد ذكر ابن القيم في كتابه مدارج السالكين مراتب عشرة للجود: مثل الجود بالنفس، والجود بالجاه، والجود بالراحة والرفاهية، والجود بالعلم، والجود بالبدن، والجود بالبشر وبسط الوجه، والجود بالصبر، والجود بالعفو والصفح، والجود بكف الأذى، والجود بالمال والتعفف عما في أيدي الناس ، (1) وما من شك في أنه صلى الله عليه وسلم كان مصدر هذه المراتب تلقاها عن ربه وحيا، ثم حولها إلى واقع عملي في دنيا الناس، أجل إنه لا بد من دوام النظر في سنة وسيرة وهدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من الجود بنعمة الله عليه، وبذلها فيما فيه مرضاته ونفع عباده على النحو الذي بينا، فلعل ذلك يحرك نفوس الأشحاء ويحملهم على التخلص من الشُّح، ثم التحلي بالجود اقتداء وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
5 -مطالعة أخبار الأجواد من البشر، ولا سيما أبناء أمتنا المسلمة على نحو ما أثر عن قيس بن سعد بن عبادة، وكان من الأجواد المعروفين: أنه مرض مرة، فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.
وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك؟
قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها، فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فننحرها، وقال: شأنكم؟
(1) - انظر: مدارج السالكين 2/293-296 بتصرف ككثير.