وذلك أن أي عمل من الأعمال تكون له في البداية حلاوة، وقد يلقى من العامل إقبالا، واستفراغا لكل ما في وسعه، وما في طاقته، وربما رأى ذلك من يحيطون به، فيلقون ببعض ما في أيديهم من واجبات وتكاليف عليه، ولا يلتفت هو إلى ذلك، ويقبل منهم، ويمضي، وبعد فترة من الزمان يجد نفسه قد أنهكه العمل وأضناه، فيفتر، وإذا لم يبادر بالعلاج والتخلص من هذه الحال يكون القعود، والانقطاع عن أداء الواجب، وفي آفة"الغلو في الدين أو التنطع"من الجزء الثالث من هذا الكتاب صورة دقيقة لكيفية إيصال هذه الآفة صاحبها إلى القعود والترك.
14 -عدم تجاوز الآخرين عن أي هفوة من الهفوات:
وذلك أن المرء بطبيعته مجبول على الخطأ باستثناء الأنبياء والمرسلين لما أكرمهم الله عز وجل به من العصمة، والمحاسبة سبيل من سبل التخلص من هذا الخطأ.
ومن أساليب المحاسبة التجاوز أحيانا عن بعض الهفوات والزلات اليسيرة كيلا يسيطر اليأس والقنوط على النفس، وقد لا ينتبه البعض إلى هذا الأسلوب، ويحمله إتقان العمل وإجادته على المؤاخذة في كل الأمور حتى لو كانت يسيرة بسيطة، وربما لا يتحمل العامل ذلك وتكون العاقبة القعود، والتخلي عن أداء الواجب.
ولعل هذا هو سر دعوة الإسلام إلى العفو مع القدرة على الانتقام والبطش. إذ يقول سبحانه:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران) .
{خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف) .
{وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور: 22) .
15 -الظن أن في القعود سلامة وعافية: