قال: وبدأت أول ما بدأت، فقلت: إنني لن أنقد هذا الكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعض، وأخذت - ملتزما بهذا الشرط - أذكر العبارة من الكتاب، وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب، ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: يقول الدكتور طه في الكتاب في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها أيضا من خاطري، فاستوقفني الدكتور الدرديري، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب، ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن، وجيء له بالكتاب وظل يتابعني، فيجد العبارات لا تنقص حرفا ولا تزيد حرفا، ويجد الصفحات كما أحددها تماما، فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول، والكل يتجه -كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين - إلى الدكتور الدرديري، كأنهم يسألونه: أحقا هذه العبارات في الكتاب؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة: بالنصوص والصفحات.
وهكذا حتى انتهى الكتاب وانتهت المحاضرة، وقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور: الدرديري بين معانق ومقبل، يقول الشيخ حسن البنا: ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة؟ لأنه يريد أن يسرَّ حديثا، واقترب مني وأسر في أذني سرا تعجبت له. قال: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور: طه حسين، وطلب إلي أن أعد له مكانا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد، فأعددنا له المكان، وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد.