إذ يذكر المعاصرون للشيخ حسن البنا: أنه لما نشر طه حسين كتابه:"مستقبل الثقافة في مصر"، وضمَّنه ما يجب أن تتجه إليه الثقافة في مصر من ضرورة الأخذ بالحضارة الغريبة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، هاجت الدنيا وماجت، وتناولت أقلام النقاد الكاتب بين قادح ومادح، ولم يكترث طه حسين بكل ما كتب وصمم على وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره مستشار وزارة المعارف (التربية والتعليم ا لآن) ، وهنا اتصل بعض الغيورين من أصدقاء الشيخ حسن البنا به، وطلبوا إليه أن يكتب نقدا للكتاب، ورد الشيخ حسن البنا بأنه لم يطلع على الكتاب لضيق وقته وكثرة الصوارف، وألحوا عليه في ضرورة قراءة الكتاب، وبيان كلمة الإخوان قبل أن يوضع الكتاب موضع التنفيذ، لا سيما وأنه سيؤدي إلى تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية، ولم يكتفوا بذلك، بل أخبروه أنهم حددوا موعدا لبيان ذلك في دار الشبان المسلمين وطبعوا الدعوات، وكان الموعد بعد خمسة أيام، يقول الشيخ حسن البنا: ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطا بها في خلال هذه الأيام الخمسة، وعليه فما كنت أجد وقتا لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلى مدرستي، وفترة رجوعي منها في الترام - وكان يعمل في مهنة التدريس - وقدر الله، وأتيت عل الكتاب من أوله إلى آخره؟ لأنه لم يكن كبير الحجم، وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى كنت قد استوعبت الكتاب كله، وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان، فوجدتها على غير عادتها غاصة، والحاضرون هم رجالات العلم، والأدب، والتربية في مصر، ووقفت على المنصة، واستفتحت بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص.