فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 571

فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة ، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب ، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة ، أي أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة.

ليقينه صلى الله عليه وسلم بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم ، قبل أن يحطمها من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع ، وأشنع فيعظم الإثم ، ويتفاقم الضرر ، لذلك تركها ، وأقبل يُعِد الرجال ، ويزكى النفوس ، ويطهر القلوب حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة ، ويزيل الأصنام مرددًا: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا } .

وها هو - صلى الله عليه وسلم يخاطب أم المؤمنين عائشة قائلًا:

(ألم ترى أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ ، قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت) (1)

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هنا توقف في شأن تجديد الكعبة ، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم خوفًا من أن يؤدى ذلك إلى منكر أكبر ، وهو الفرقة والشقاق ، بدليل قوله في رواية أخرى: (.... ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم...)

بل إن المسلم حين يسكت عن منكر خوفًا من أن يؤدى إلى منكر أكبر ، مع الرفض القلبي والمقاطعة ومع البحث عن الأفضل السبل للتغيير ، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توان ولا تباطؤ ، لا يكون آثمًا بذلك وصدق الله الذي يقول:

{ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها... } ، { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ، وأنفقوا خيرًا لأنفسكم } .

(1) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الحج: باب فضل مكة وبنيانها 2/179 من حديث عائشة - رضى الله تعالى عنها - به ،وأخرجه مسلم في الصحيح كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها 2/969 رقم 399 من حديث عائشة أيضًا به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت