وذلك أن جهد المتنطع أو المغالي إنما هو مصروف إلى ثانويات الأمور فكرًا أو سلوكًا، دون أصولها، وهو بهذا يضيع عمره، ويبدد جهده في غير ما طائل ولا فائدة، وصدق الله الذي يقول: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} (الكهف: 104) ، إذ يفسر الحافظ ابن كثير هذه الآية، فيسوق طائفة من الأخبار عن السلف حول معناها قائلًا:"قال البخاري: حدثنا مجمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب، قال: سألت أبي - يعني: سعد بن أبي وقاص -عن قول الله: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} أهم الحرورية؟ قال: لا، هم: اليهود، والنصارى، أما اليهود، فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى، فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها، ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد رضي الله عنه يسميهم الفاسقين، وقال علي بن أبي طالب، والضحاك، وغير واحد هم ا لحر ورية". (1)
ثم يبدي رأيه فيها بعد ذلك، فيقول:"ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه أن هذه ا لآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود، والنصارى، وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود...". (2)
4 -التقصير في حقوق الآخرين:
وذلك أن المتنطع أو المغالي إنما يدور في فلك معين من الفكر والسلوك الأمر الذي ينتهي به إلى التقصير في حقوق يجب أن تراعى، وواجبات ينبغي أن تؤدى.
(1) - انظر: تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن ككثير 3/107.
(2) - انظر: تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن ككثير 3/107.