ويقول الحافظ ابن الجوزي في تصوير نفس السبب:"يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدا، ولا يغتر بالشباب، والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:"
يعمر واحد، فيغر قوما وينسى من يموت من الشباب
ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلا، وإنما يقدم المعاصي، ويؤخر التوبة لطول الأمل، وتبادر الشهوات، وتنسى ا لإنابة لطول ا لأمل". (1) "
ولعل هذا السبب يفسر لنا تحذيره صلى الله عليه وسلم من طول الأمل، والركون إلى الدنيا، والغفلة عن الآخرة، فقد خط صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال:"هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض (2) فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا". (3)
6 -الاستهانة بالأمر مع اعتماد المرء على بعض ما وهبه الله من حول وقوة:
وقد تكون الاستهانة بالأمر مع اعتماد المرء على بعض ما وهبه الله من حول وقوة هي السبب في التسويف.
(1) - انظر: صيد الخاطر لابن الجوزي ص 178، 1779.
(2) - الأعراض: هي الآفات العارضة للإنسان، بححيث إذا سلم من آفة لم يسلم من الأخرى، وإن سلم من الجميع لم يسلم من مباغتة الأجل أو الموت، انظر: قح الباري لابن حجر 11/238.
(3) - الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب االرقاق: باب الأمل وطوله 8/110، 111، والترمذي في السنن: كتاب القيامة: باب منه 4/548 رقم (2454) ، وابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب الأمل والأجل 2/1414 رقم (4231) ، والدارمي في السنن: كتاب الرقاق: باب في الأمل والأجل 2/304، وأحمد في المسند 1/385 كلهم من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا، واللفظ للبخاري، وعقب الترمذي على روايته قائلا:"هذا حديث صحيح".