وقد يكون أمن مكر الله سببا من الأسباب التي توقع في التسويف، إذ الإنسان مجبول على المبادرة والإسراع بأداء ما يطلب منه عندما يخاف، وعلى التواني والتفريط إذا أمن، ولقد أشار رب العزة إلى هذا السبب عند حديثه عن الكفار ومضيهم في كفرهم وباطلهم، فقال سبحانه: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم باسئنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} (الأعراف: 97-99) ، {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} (الملك: 16-17) ، {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون} ، (يوسف: 107) ، {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم في تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} (الإسراء) .
5 -طول الأمل مع نسيان الموت والدار الآخرة:
وقد يكون طول الأمل مع نسيان الموت والدار الآخرة من الأسباب التي تؤدي إلى التسويف.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في تصوير هذا السبب:"اعلم أن من له أخوان غائبان، وينتظر قدوم أحدهما في غد، وينتظر الآخر بعد شهر أو سنة، فلا يستعد للذي يقدم إلى شهر أو سنة، وإنما يستعد للذي ينتظر قدومه غدا، فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار، فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة، اشتغل بالمدة، ونسي ما وراء المدة، ثم يصبح كل يوم، وهو منتظر للسنة بكمالها، لا ينقص منها اليوم الذي مضى وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا، فإنه أبدا يرى لنفسه متسعا تلك السنة، فيؤخر العمل". (1)
(1) - انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 4/391، وعنه نقل خلدون الأحدب في سوانح وتأملات في قيمة الزمن ص 46،47.