فاحسبوا كم صفحة قرأت من يوم تعلمت النظر في الكتب، وامتدت يدي إليها سبعين سنة، في كل سنة اثنا عشر شهرًا، في كل شهر ثلاثون يوما، في كل يوم مائة صفحة، فإن هالكم الرقم، فاحسموا منه نصفه فكم يبقى؟ كنت ولا أزال أقرأ في كل علم: في التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه، وفي التاريخ، وفي الأدب: الأدب العربي، والأدب الفرنسي. وفي العلوم على تنوعها وتعددها بدأت اليوم أقرأ سنة 1335 ه، ونحن اليوم في سنة 1405 ه وأنا أقرأ أكثر ساعات ليلي ونهاري، فلو قدرت لكل يوم مائة صفحة - وأنا أقرأ أضعافها - لكان مجموع ما قرأت مليونين ونصف من الصفحات، وكتبت ما لم يكتب أكثر منه مما أعرف إلا قليلا، كالأمير شكيب أرسلان، والأستاذ العقاد، وأمثالهما، وان كان أمثالهما قلة من أصحاب القلم الفياض، والذي نشر مما كتبت يزيد على ثلاث عشرة ألف صفحة، وما ضاع مني مثله، أو أكثر منه. (1)
وهذا الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء بالجزائر يصفه أحد الكتاب بقوله: ولقد تميز ابن باديس في حياته كلها باحترام الوقت والنظام فكان - رحمه الله - رجل علم ونظام يحافظ على أوقاته، فكان برنامجه اليومي، مما يصعب على الكثير أن يقوم به، حيث يبدأ نهاره من قبيل صلاة الفجر بالمرور على مساكن طلاب الجامع الأخضر ليتأكد من استيقاظهم لأداء صلاة الفجر، وبعد الصلاة يشرع في التدريس حتى الشروق، فيتناول إفطاره، ويعود إلى التدريس حتى صلاة الظهر، ثم يعاود التدريس من صلاة العصر حتى ما بعد صلاة العشاء، وقد بلغت الدروس التي يلقيها في اليوم الواحد خمسة عشر درسًا. (2)
(1) - انظر: الوقت عمار أو دمار لجاسم المطوع 1/50، 51 نقلا عن: سوانح وتأملات في قيمة الزمن ص 34.
(2) - انظر: عبد الحميد بن باديس للأستاذ مازنن صلاح مطبقاني ص 42.