هذا أبو بكر الأنباري يدخل عليه الطبيب في مرض موته، فينظر إلى مائه - يعني بوله - ويقول له: قد كنت تفعل شيئا لا يفعله أحد، ثم يخرج فيقول: ما يجيء منه شيء. ويعود إليه ويسأله: ما الذي كنت تفعل؟ فيقول له أبو بكر -رحمه الله: كنت أعيد في كل أسبوع عشرة آلاف ورقة. (1)
وها هي امرأة الحافظ محمد بن مسلم المعروف بابن شهاب الزهري، المحدث المشهور المتوفي 124 هـ، تشكو من تعلق زوجها بالكتب، وطول معايشته لها فتقول: والله، إن هذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. (2)
وهذا الشيخ عبد العظيم المنذري (صاحب كتاب الترغيب والترهيب المتوفى 656 ه) يحكي عن إسحاق بن إبراهيم بن عيسى المرادي، فيقول: ولم أر، ولم أسمع أحدا أكثر اجتهادا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار، وقد جاورته في المدرسة - يعني القاهرة - بيتي فوق بيته، اثنتي عشرة سنة، فلم أستيقظ في ليلة من الليالي، في ساعة من ساعات الليل إلا وجدت ضوء السراج في بيته، وهو مشتغل بالعلم، وحتى كان في حال الأكل، والكتاب والكتب عنده يشتغل فيها. (3)
وهذا العلامة ابن الجوزي (المتوفى 597 ه) يقول عن نفسه: وإني أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز، فلو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في طلب الكتب، فاستفدت بالنظر فيها ملاحظة سير القوم، قدر همهم، وحفظهم، وعاداتهم، وغرائب لا يعرفها من لم يطالع. (4)
(1) - انظر: الوقت عمار أو دمار لجاسم المطوع 1/45 نقلًا عن وصايا ونصائح لطالب العلم.
(2) - انظر: شذرات الذهب لابن العماد 1/63.
(3) - انظر: الوقت عمار أو دمار لجاسم المطوع 1/51، 52 نقلًا عن بستان العارفين.
(4) - انظر: الوقت عمار أو دمار لجاسم المطوع 1/51، 52 نقلًا عن الآداب الشرعية للمقدسي 2/267.