تذكّر بعدما شحطت نجودا ... وكانت تيّمت قلبي وحيدا
كذي داء يرى في الناس يمشي ... ويكتم داءه زمنا عميدا
ترقبّ عودة الفرسان حتى ... تصيدهم وتشوي د أن تصيدا
فقد صادت فؤادك يوم أبدت ... أسيلا خدّه صلتا وجيدا
يزين معاقد اللبّات منها ... شنوفا في القلايد والفريدا
فإن تضنن عليك بما لديها ... وتقلب وصل نائلها جديدا
لعمرك ما يوافقني خليل ... إذا ما كان ذا خلف كنودا
وقد علم القبائل غير فخر ... إذا لم تلف مالئة رفودا هـ
إذا ما واجب الأطياف أمسى و ... وكان قراهم غثّا فصيدا
بأنا نخرج الشتوات منّا ... إذا ما استحكمت حسبا وجودا
قدورا تغرق الأوصال فيها ... خصيفا ز لونها بيضا وسودا
وإن رسل ترفّع بعد طعم ... فعاد لكي يعاد له، أعيدا
متى ما تأت يثرب أو تزرها ... تجدنا نحن أكرمها جدودا
وأغلظها على الأعداء ركنا ... وألينها لباغي الخير عودا
وأخطبها إذا اجتمعوا لأمر ... وأصدقها وأوفاها عهودا
إذا دعوى ببلدتنا استتبّت ح ... فنحن الأكثرون بها عديدا
متى ما أدع في جشم وعوف ... تجدني لا أغمّ ولا وحيدا
وحولي جمع ساعدة بن كعب ... وتيم اللات ط قد لبسوا الحديدا
زعمتم أنّ ما نلتم ملوك ال ... حجاز وأنّما نلنا عبيدا
فما نبغي بقتلانا سواكم ... وقد نلنا المسوّد والمسودا
وكان نساؤكم في كلّ دار ... يخدّشن المعاصم والخدودا
تركنا حجّنا بغدير فقع ... ظرابي في مجالسها قعودا
ورهط أبي أميّة قد أبحنا ... وأوس الله ي أتبعنا ثمودا
ثم كانت الرسل تجري بينهم والكلام في أن يصلحوا أمرهم. وكان بينهم عهد وميثاق ألا يغدروا بأحد في معقله والمعقل النخل والدار فلا يقتل رجل كان في نخله أو داره، فإذا خرج منها لم يكن له عهد. فلما جرت الرسل بينهم قالوا: اعرضوا علينا. قالت الرسل: انظروا في القتلى فمن كان له الفضل فردوا إليه الدية. فوجدوا الأوس قد فضلت بثلاثة رهط على الخزرج، فأعطوا الخزرج غلمانا رهنا بالديات، فغدرت بهم الخزرج فقتلوهم. فبلغ ذلك الأوس فاستعدوا للقتال، واستعدت الخزرج للقتال، فالتقوا يوم الربيع فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كادت الأوس والخزرج يومئذ يفني بعضها بعضا. وكانت النجار يومئذ في الآطام وظنوا أن سيخلص إلى النساء والذراري ولا يلقى رجل خارج من معقله إلا قتل. ودعت الأوس إلى الصلح فأبت عليهم النجار وحالوا بين الفريقين كليهما وبين الصلح. ففي ذلك يقول حسان:
لقد هاج نفسك أشجانها ... وعاودها اليوم أديانها
تذكّر ليلى وما ذكرها ... وقد قطعت منك أقرانها
وحجّل في الدار غربانها ... وخفّ من الدار سكانها
وغيّرها معصرات الرياح ... وسحّ الجنوب وتهتانها
ودوّيّة سبسب سملق ... من البيد تعزف جنّانها
قطعت إذا خبّ جاري السراب ... بهوجاء يلعب شيطانها
وساءلت منزلة بالحمى، ... وقد ظعن الحيّ، ما شانها
مهاة من العين تمشي بها ... وتتبعها ثمّ غزلانها
فعيّت وجاوبني دونها ... بما راع قلبي أعوانها
ويثرب تعلم أنّا بها ... إذا ألبس الحقّ ميزانها
ويثرب تعلم أنّا بها، ... إذا قحط القطر، نوآنها
ويثرب تعلم أنّا بها، ... إذا خافت الأوس، جيرانها
ويثرب تعلم إذ حاربت ... بأنّا لدى الحرب فرسانها
ويثرب تعلم أنّ النبيت ... عند الهزاهز ذلّانها
نبت بالنبيت وأشياعها ... من ان أوعدت قطّ أوطانها
فكيف إذا نازلتها ليو ... ث غريف وشبلانها
متى ترنا الأوس في بيضنا ... نهزّ القنا تخب نيرانها
وتعط المقاد على رغمها ... وينزل من الهام عصيانها
ويثرب تعلم أنّ النبيت ... ليست بشيء، وأعوانها
فلا تفخرن والتمس ملجأ ... فقد عاد للأوس أديانها
ونحن إذا حاربت عامر ... أمام الكتيبة أعيانها
ونحن إذا نزلت معضلات ... تحسّ القبائل، إخوانها